اليوم أود أن أستثير عقل القارئ وأدفعه ليستغل نعمة الخيال التي أودعها الله عز و جل في عقولنا، وبالخيال أقصد الابتكار تحديدا، واسمحوا لي أن أعرض لنماذج طبقت هذا الابتكار. البداية مع قصة من مجلة انتربرنور (الرابط) والتي نشرت قصة الأمريكي معلم البيتزا مارك بلو في نيويورك. البيتزا التي يبيعها مارك مختلفة، فأنت لا تدفع لكي تأكلها، بل لكي تخبزها أولا ثم تأكلها بعدها إن شئت.
مارك هو رجل عصامي تولى تعليم نفسه بنفسه، مؤسس وناظر Pizza a Casa وهو مركز لتعليم طرق خبز و طهي عجائن البيتزا، حيث يقوم بتدريس وتعليم الآلاف خلاصة خبرته في صنع البيتزا، وكذلك يقوم ببيع كل آلة يمكن استعمالها في خبز وعجن وقطع وحمل البيتزا. مقابل 4 ساعات و 150 دولار، ستتعلم كل ما يلزمك لخبز بيتزا شهية. قبل تدشين هذا المركز، كان مارك يقدم هذه الدروس انطلاقا من بيته الصغير على مر سنوات خمسة.
وسيلة التسويق الأولى لمارك كانت عبارات الثناء الصادرة من أفواه أوائل الطلبة الذين تلقوا علوم البيتزا على يديه، تلاها مواقع انترنت المهتمة بعالم الطعام والبيتزا، كما أن الشعب الأمريكي معروف عنه هوسه بتناول البيتزا، ولما طحنت الأزمة الاقتصادية العالمية هذا الشعب، لجأ إلى وسائل مبتكرة لتقليل إنفاقه مع الحفاظ على سلوكه المعتاد قبل الأزمة، الأمر الذي زاد من طالبي علوم البيتزا. كذلك، التعليم بالتجربة الفعلية وباليدين يبقى أفضل من التعليم بالمشاهدة عبر التليفزيون أو قراءة كتاب وصفات.
مركز التعليم جاء وفق أقصى درجات التوفير المبتكر، فالأستاذ مارك خريج معهد شيكاغو الفني متخصصا في الفن التشكيلي، ولذا صمم بنفسه طاولة الطعام المزينة بالرخام والتي تتسع لـ 16 تلميذا، وعقد صفقة مع شركة بيع معدات وأفران طهي لتمده بما يحتاجه في مركزه مقابل الدعاية لها، كما نجح في حسن انتقاء الموقع، والذي يجذب العديد من السياح الأجانب، ما سهل لبعض السياح اليابانيين حضور دروسه.
الغرض من سردي لهذه القصة ليس البيتزا في حد ذاتها، ولكنها مجرد مثال لطرح السؤال: كم من الأشياء نؤديها كما يؤديها من جاؤوا قبلنا؟ فكر في كل ما تفعله وحاول أن تؤديه بشكل جديد، شكل يكون فيه حاجة لغيرك، بدرجة تجعلهم مستعدين لدفع المال كي تؤديه لهم. كم من محل يقدم البيتزا جاهزة؟ وكم من فكر في تعليم الناس صنع البيتزا بكل الوسائل الممكنة وبكل الأدوات المتاحة.
لنأخذ مثالا آخر على الابتكار. هل ترى هذه الصورة في الأعلى؟ إنها لمتظاهر في القاهرة، يحمل لافتة تقول باللغة الفرنسية – تلك اللغة التي يجهلها جل القوى الأمنية – ارحل مبارك. هذه الجملة تحديدا اكتسبت شهرة في تونس حين قامت مظاهراتها. هذا الرجل أراد التعبير عن رأيه، ولا أملك الحديث باسمه، لكني أظنه أراد إيصال صوته للعالم، دون مضايقات أمنية. وهذا مثال صغير على الابتكار.
إذا نظرنا إلى الثورات العربية الحالية، ستجد أغلب أدواتها مبتكرة وقائمة على شبكة انترنت، فالشباب في مصر يسجلون كل شيء على ملفات فيديو، ويعودون لمقارنة حديث الوزير قبل وبعد الثورة، ويجمعون الحقائق والمواقف والصور لكل مسؤول، ويوفرونها أمام الرأي العام، وبذلك يؤثرون في قطاع عريض من الناس ويحققون هدفهم.
إذا نظرت إلى شركات التقنية العالمية، من بقي في السباق العالمي منها هي تلك التي ابتكرت الجديد، وسارعت لتوفير منتجها المبتكر قبل المنافسين في السوق أمام مستخدمين بحاجة إليه. من جاء بإمكانية البحث لعموم الناس في خرائط الأرض والقمر والمريخ؟ من جاء بخاصية اللمس المتعدد لشاشة الهاتف النقال وجعلها سهلة وذات فائدة، وليس مجرد سبقا تقنيا ليقول أنا الأول ثم سكت.
إن لم تبتكر مِت مكانك. التقنية وسهولتها وتوفرها بشكل يسير يجعل الابتكار أسهل من ذي قبل، ويجعله حاجة ضرورية مثل الماء و الهواء. الابتكار سيساعدنا على تجاوز الفجوات التقنية والزمنية التي تفصلنا عمن سبقونا، وهو أمر نحتاجه الآن. الابتكار عدوه التكرار والتقليد. أنت من عليه المجيء بإجابة السؤال: كيف تبتكر! لا تقلق إن تأخرت الإجابة، لأنها حين تأتيك، فلن تتوقف بعدها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق